السيد كمال الحيدري

108

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

ومن هنا سوف تبطل رؤى عديدة تبنّتها جملة من مدارس الهرمنيوطيقا « 1 » ، والتي من جملتها - وأخطرها - تغييب مقاصد المتكلّم وإحداث معانٍ تبرّعية لم تُؤخذ فيها مقاصد المتكلّم . بعبارة أُخرى : إنَّ الرمزية النصّية التي نلتزم بها ليست تعبيراً آخر عن تمييع الدلالات اللفظية المعيّنة ، وإنما هي تحريك الدلالات اللفظية باتّجاه غاياتها النهائية التي روعيت في مقاصد المتكلّم الحكيم . نعم ، نحن نلتزم تماماً بطريقية الرمز في إحداث أو تشكيل علاقة جدلية بين ظاهرتين تشير إحداهما إلى الأخرى غير الملحوظة في سطور النصّ ، ولكن هذه الظاهرة الخفيّة المُبرزة من خلال التشكيل الثنائي داخلة في مقاصد المتكلّم الحكيم ، فالرمزية النصّية لا تنطلق من فلسفات عبثية فوضوية البتّة « 2 » . الرمزية التقليدية والحداثوية للرمزيتين التقليدية والحداثوية توجّهان مختلفان إلى حدّ كبير في الشكل والمضمون ، فالرمزية التقليدية اهتمّت واقترنت بشكل كبير بالمُعطى الإلهي ، سواء كانت النسبة للسماء واقعية أم ادّعائية ، في حين اقترنت الرمزية الحداثوية بالمعطى البشري .

--> ( 1 ) سوف يتعرّض السيد الأُستاذ لموضوعة الهرمنيوطيقا عند بحث علاقة النصّ بالقراءة في خواتيم هذا الفصل . ( 2 ) وبعبارة مُعاصرة : إنَّ الرمزية النصّية ليست انعكاساً للحركة الرومانتيكية العاطفية التي تُطلق للنفس الحركة في أُفق أهوائها اللا محدودة بحدود وقيود العقل ، حيث تعصف بالنفس أخيلتها التي عادة ما تكون منفكّة عن البعد الأخلاقي والتربوي ، وإنما هي مسؤولية معرفية كبرى يتضلّع بها أرباب الفنّ والصنعة ممن ينشدون الكمال ويتحرّكون باتّجاهه . .